معركة الجبل الأبيض.. حرب اشعلت الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت

السبت، 08 نوفمبر 2025 06:30 م
معركة الجبل الأبيض.. حرب اشعلت الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت معركة الجبل الأبيض

محمد عبد الرحمن

تمرّ اليوم الذكرى الـ405 على معركة الجبل الأبيض، التي وقعت في 8 نوفمبر عام 1620 قرب مدينة براغ عاصمة بوهيميا (التشيك حاليًا)، وكانت أولى المعارك الكبرى في حرب الثلاثين عامًا التي مزّقت أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، وانتهت بانتصار ساحق للجيش الإمبراطوري بقيادة الإمبراطور فرديناند الثاني.

 

توتر ديني وسياسي في قلب أوروبا

في مطلع القرن السابع عشر، كانت بوهيميا جزءًا من الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي يسيطر عليها الكاثوليك، غير أن معظم سكانها كانوا من البروتستانت، وتمتعوا بحقوق دينية وسياسية خاصة بموجب مرسوم الجلالة لعام 1609 الذي أصدره الإمبراطور رودولف الثاني، وضَمِن لهم حرية المعتقد.

لكن مع تدهور صحة الإمبراطور ماتياس عام 1617، تم تعيين ابن عمه فرديناند – وهو كاثوليكي متشدد من أبرز دعاة حركة الإصلاح المضاد – وريثًا للعرش.

وأثار القرار قلقًا واسعًا بين نبلاء بوهيميا البروتستانت الذين خافوا من فقدان امتيازاتهم واستقلالهم الذاتي، خصوصًا أن فرديناند كان يسعى لفرض الحكم المطلق وإعادة الممتلكات الكنسية التي صودرت خلال الإصلاح الديني.

وفي مايو 1618، اجتمع وفد من النبلاء البوهيميين بممثلي الإمبراطور في قلعة براغ لعرض شكاواهم، وانتهى الاجتماع بأحداث عُرفت بـ "حادثة رمي مبعوثي براغ من النافذة"، حين ألقى النبلاء اثنين من مبعوثي الإمبراطور وكاتبهم من نافذة عالية، فنجوا بأعجوبة.
كانت هذه الواقعة الشرارة التي أشعلت الثورة البوهيمية، وأطلقت شرارة حرب الثلاثين عامًا.

وفي نوفمبر 1619، اختار المتمردون البروتستانت فريدريك الخامس، ناخب بالاتينات (Palatine Elector)، ملكًا على بوهيميا، متحدّين سلطة الإمبراطور فرديناند الثاني رسميًا.

 

الطريق إلى المعركة

في عام 1620، قرر فرديناند الثاني القضاء على الثورة واستعادة السيطرة على بوهيميا بالقوة، وتحويلها إلى درسٍ قاسٍ لبقية المعارضين.
نظّم الملك فريدريك وقائده الأمير كريستيان فون أنهالت جيشًا بروتستانتيًا قوامه 30 ألف جندي، بينما جهّز فرديناند جيشًا إمبراطوريًا قوامه 25 ألف مقاتل بقيادة الكونت تيلي – وهو قائد كاثوليكي محنّك من أصول إسبانية فلمنكية – وبمشاركة الكونت بوكوا، قائد القوات الإمبراطورية، وألبرخت فون فالنشتاين الذي سيصبح لاحقًا أحد أعظم قادة الحرب.

كانت الجيوش في ذلك الزمن تعتمد على المرتزقة بشكل واسع، وكان الجنود على الجانبين يعانون من قلة التمويل وضعف الإمدادات، خصوصًا مع حلول الشتاء.
ومن الطريف أن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت – الذي سيُعرف لاحقًا بـ"أبو الفلسفة الحديثة" – كان حاضرًا ضمن جيش الرابطة الكاثوليكية بصفة مراقب رسمي.

 

ساعة واحدة حسمت مصير بوهيميا

بعد سيطرة الجيش الإمبراطوري على غرب بوهيميا، توجه نحو براغ، وحاول كريستيان فون أنهالت إقامة تحصينات دفاعية على هضبة منخفضة تُعرف بـ "الجبل الأبيض" (Bílá Hora) غرب المدينة، لكنه لم يجد الوقت الكافي لإعداد دفاع قوي، وكانت الروح المعنوية منخفضة في كلا المعسكرين؛ فقد عانى الطرفان من البرد والجوع، وتأخر رواتب المرتزقة.

في صباح 8 نوفمبر 1620، أرسل تيلي قوة صغيرة لاستطلاع الجناح الأيسر للجيش البروتستانتي، فانسحب البوهيميون فورًا، ما شجع تيلي على إرسال تعزيزات كبيرة أدت إلى انهيار الجبهة البوهيمية بسرعة.

وحاول الأمير أنهالت إنقاذ الموقف بإرسال المشاة والفرسان بقيادة ابنه كريستيان الثاني، وتمكن الفرسان من إلحاق خسائر مؤقتة بالمشاة الإمبراطوريين، لكن هجومًا مضادًا قويًا من فرسان تيلي أجبرهم على التراجع.

عندما شاهد المشاة البوهيميون فرسانهم ينسحبون، أطلقوا طلقة واحدة من مسافة بعيدة ثم انسحبوا بدورهم دون قتال فعلي، وبدأت وحدات الجيش البروتستانتي تتفكك واحدة تلو الأخرى، حتى تحوّل الانسحاب إلى هزيمة كاملة، وقاد تيلي 2000 من فرسانه البافاريين لمطاردة القوات المنهارة حتى قصر ستار قرب براغ، حيث فشل المتمردون في إقامة أي دفاع فعّال.

استمرت المعركة أقل من ساعة واحدة، وأسفرت عن مقتل أو أسر نحو 4000 بروتستانتي، مقابل 700 قتيل فقط من قوات الإمبراطور.

 

نهاية الثورة وبداية القمع

كانت معركة الجبل الأبيض نقطة تحول حاسمة في تاريخ بوهيميا وأوروبا بأسرها، فقد فرّ الملك فريدريك الخامس إلى سيليزيا، ودخلت القوات الإمبراطورية براغ في اليوم التالي، وبعد الهزيمة، فقدت بوهيميا استقلالها السياسي والديني، وبدأت مرحلة طويلة من القمع الكاثوليكي وعمليات إعادة الكَثلكة، فيما صودرت أملاك آلاف من النبلاء البروتستانت ونُفي قادتهم.

أما على الصعيد الأوروبي، فكانت هذه المعركة البداية الفعلية لحرب الثلاثين عامًا، التي استمرت حتى عام 1648، وخلفت دمارًا هائلًا في وسط أوروبا، وغيرت ميزان القوى بين الكنيسة الكاثوليكية والدول البروتستانتية للأبد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة